ابن قيم الجوزية
198
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
تَتَّبِعُوا السُّبُلَ [ الأنعام : 153 ] وبقوله وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 52 ) صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ [ الشّورى : 52 ، 53 ] وبقوله وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ ( 24 ) [ الحجّ : 24 ] . ونهايتها : الرجوع إليه في المعاد . وسلوك صراطه الذي نصبه موصلا إلى جنته . فمن رجع إلى اللّه في هذه الدار بالتوبة : رجع إليه في المعاد بالثواب . وهذا هو أحد التأويلات في قوله تعالى وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً ( 71 ) [ الفرقان : 71 ] قال البغوي وغيره « يتوب إلى اللّه متابا : يعود إليه بعد الموت ، متابا حسنا يفضل على غيره » فالتوبة الأولى - وهي قوله « ومن تاب » - رجوع عن الشرك . والثانية : رجوع إلى اللّه للجزاء والمكافأة . والتأويل الثاني : أن الجزاء متضمن معنى الأوامر . والمعنى : ومن عزم على التوبة وأرادها ، فليجعل توبته إلى اللّه وحده ، ولوجهه خالصا ، لا لغيره . التأويل الثالث : أن المراد لازم هذا المعنى ، وهو إشعار التائب وإعلامه بمن تاب إليه . ورجع إليه . والمعنى : فليعلم توبته إلى من ؟ ورجوعه إلى من ؟ فإنها إلى اللّه لا إلى غيره . ونظير هذا - على أحد التأويلين - قوله تعالى : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ [ المائدة : 67 ] أي اعلم ما يترتب على من عصى أوامره ولم يبلغ رسالته . والتأويل الرابع : أن التوبة تكون أولا بالقصد والعزم على فعلها . ثم إذا قوي العزم وصار جازما : وجد به فعل التوبة . فالتوبة الأولى : بالعزم والقصد لفعلها . والثانية : بنفس إيقاع التوبة وإيجادها . والمعنى : فمن تاب إلى اللّه قصدا ونية وعزما ، فتوبته إلى اللّه عملا وفعلا . وهذا نظير قوله صلى اللّه عليه وسلم « فمن كانت هجرته إلى اللّه ورسوله ، فهجرته إلى اللّه ورسوله . ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها ، أو امرأة يتزوجها ، فهجرته إلى ما هاجر إليه » . الذنوب و « الذنوب » تنقسم إلى صغائر وكبائر . بنص القرآن والسنة ، وإجماع السلف وبالاعتبار . قال اللّه تعالى : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ [ النّساء : 31 ] وقال تعالى : الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ [ النّجم : 32 ] وفي الصحيح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال « الصلوات الخمس ، والجمعة إلى الجمعة ، ورمضان إلى رمضان - مكفرات لما بينهن ، إذا اجتنبت الكبائر » . وأما ما يحكى عن أبي إسحاق الأسفرائيني أنه قال : الذنوب كلها كبائر ، وليس فيها صغائر . فليس مراده : أنها مستوية في الإثم ، بحيث يكون إثم النظر المحرم ، كإثم الوطء في الحرام . وإنما المراد : أنها بالنسبة إلى عظمة من عصي بها كلها كبائر . ومع هذا فبعضها أكبر من بعض . ومع هذا فالأمر في ذلك لفظي لا يرجع إلى معنى . والذي جاء في لفظ الشارع ، تسمية ذلك « لمما » و « محقّرات » كما في الحديث « إياكم ومحقّرات الذنوب » وقد قيل : إن « اللمم » المذكور في الآية من الكبائر . حكاه البغوي وغيره . قالوا : ومعنى الاستثناء : أن يلمّ بالكبيرة مرة . ثم يتوب منها . ويقع فيها ثم ينتهي عنها ، لا